محمد حسين هيكل
341
حياة محمد ( ص )
2 - المستشرقون والحضارة الإسلامية إيرفنج والجبرية الإسلامية واشنجتون إيرفنج من أعلام الكتاب الذين فاخرت بهم الولايات المتحدة الأمريكية غيرها من الأمم في القرن التاسع عشر المسيحي . وقد كتب سيرة النبي العربي في كتاب عرض فيه هذه السيرة عرضا فيه قوّة بيانية تملك قارئه في كثير من أجزائه ، وفيه إلى جانب هذه القوة إنصاف أحيانا وتحامل أحيانا أخرى . وقد وضع للكتاب خاتمة عرض فيها لقواعد الإسلام وما حسبه المصادر التاريخية التي استندت إليها هذه القواعد ، وفي مقدمتها الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . ثم قال : « القاعدة السادسة والأخيرة من قواعد العقيدة الإسلامية هي الجبرية . وقد أقام محمد جلّ اعتماده على هذه القاعدة لنجاح شؤونه الحربية . فقد قرر أن كل حادث يقع في الحياة قد سبق في علم اللّه تقديره ، فكتب في لوح الخلد قبل أن يبرأ اللّه العالم ، وأنّ مصير كل إنسان وساعة أجله قد عيّنت تعيينا لا مردّ له ، فلا يمكن أن تتقدّم أو أن تتأخر بأيّ مجهود من مجهودات الحكمة الإنسانية أو بعد النظر . بهذا الاقتناع كان المسلمون يخوضون غمار المعارك دون أن ينال منهم الخوف . فما دام الموت في هذه المعارك هو عدل الاستشهاد الذي يسرع بصاحبه إلى الجنة فقد كانت لهم الثقة بالفوز في حالي الاستشهاد أو الانتصار . « هذا المذهب الذي يقرر أن الناس غير قادرين بإرادتهم الحرّة على اجتناب الخطيئة أو النجاة من العقاب ، يعتبره بعض المسلمين منافيا لعدل اللّه ورحمته . وقد تكوّنت عدّة فرق جاهدت وما تزال تجاهد لتهوين هذا المذهب المحيّر وإيضاحه . لكن عدد هؤلاء المتشككة قليل . وهم لا يعتبرون من أهل السّنة . « وقد ألهم محمد مذهب الجبرية من وحي الساعة ، فكان ذلك إلهاما معجزا لحدوثه في أنسب أوقاته . فقد حدث توّا بعد غزوة أحد المنكودة التي ذهبت فيها أرواح عدد غير قليل من أنصاره ، ومن بينهم عمه حمزة . عندئذ ، وفي ساعة وجوم وهلع تحطّمت أثناءها قلوب أصحابه المحيطين به ، أصدر هذا القانون ينبئهم أن لا مفر لإنسان من أن يتوفّى في ساعة أجله ، في فراشه كان أو في ساحة الوغى . « أية عقيدة يمكن أن يصورها صاحبها أدق من هذا التصوير ليدفع بها للغزو وطائفة من الجنود الجهلاء الأغرار دفعا وحشيّا ؛ إذ يقنعهم عن يقين بالفيء لمن يبقى ، والجنة لمن يموت ! . ولقد جعلت هذه العقيدة